شهادتي لله (15) مروي... حين احتضنت مدينةٌ حلمًا في قلب العاصفة

شهادتي لله (15)

مروي... حين احتضنت مدينةٌ حلمًا في قلب العاصفة

هناك لحظاتٌ في حياة المؤسسات لا تُقاس بالأيام، بل تُقاس بالمواقف. لحظاتٌ يكشف فيها الزمن من يحمل الرسالة حقًا، ومن يبقى ثابتًا عندما تتغير كل الظروف.

وعندما اندلعت الحرب، لم يكن الخطر يهدد مباني جامعة دلتا للعلوم والتكنولوجيا فقط، بل كان يهدد حلمًا بُني عبر سنوات، ومستقبل طلابٍ وضعوا ثقتهم في هذه المؤسسة.

كان السؤال الذي يطاردنا:

كيف نحمي دلتا؟ وكيف نحفظ أمانة الطلاب؟ وكيف نمنع الحرب من سرقة مستقبل جيل كامل؟

لم يكن أمامنا وقتٌ طويل للتفكير، فبدأنا بما يمليه الواجب. جمعنا كل ما يمثل ذاكرة المؤسسة ومستقبلها؛ المستندات المهمة، والبيانات، والأجهزة الحساسة، وقواعد المعلومات التي تحمل تاريخ الطلاب ونتائجهم، وكل ما يمكن أن يحفظ استمرار الجامعة مهما قست الظروف.

لم نكن نحمل معنا أوراقًا وأجهزة فقط، بل كنا نحمل تاريخ مؤسسة، وأحلام آلاف الطلاب، وأمانةً شعرنا بثقلها على أعناقنا.

ثم خرجنا من الجامعة…

خرجنا وأعيننا تلتفت إلى المكان الذي أحببناه، وقلوبنا تدعو أن يحفظ الله ما تركناه، وأن يرد السودان إلى الأمن والعافية، وأن يحقن دماء أهله.

وكانت مروي هي الوجهة.

ولم تكن مروي محطة نزوح، بل كانت محطة حياة.

استقبلتنا هذه المدينة العريقة في وقتٍ كانت فيه القلوب مثقلة بالخوف والقلق، فوجدنا فيها الأمان بعد الخطر، والاحتواء بعد القلق، والكرم الذي يفتح أبوابه دون سؤال.

دخلنا مروي ونحن نحمل همّ دلتا، لكننا وجدنا فيها من يشاركنا هذا الهم. وجدنا أهلًا يؤمنون بأن التعليم ليس شأن جامعة وحدها، بل شأن مجتمع بأكمله.

في بداية الشهر الثالث من الحرب بدأنا رحلة إعادة البناء. لم تكن الظروف سهلة؛ الإمكانات محدودة، والموارد شحيحة، والتحديات كبيرة، لكن شيئًا واحدًا كان أكبر من كل ذلك:

الإرادة.

بدأنا بعدد قليل من الإداريين والموظفين، لكننا كنا نعمل بعقل وروح مؤسسة كاملة. استأجرنا أربعة مكاتب واستراحة للكلية، وجعلنا من تلك المساحة الصغيرة مركزًا لإحياء حلم كبير.

لم ننتظر اكتمال الظروف، لأن الظروف لا تكتمل في زمن الحرب، بل بدأنا بما نملك، ومن حيث نحن.

فتحنا أبواب التواصل مع الطلاب، استخرجنا الشهادات، تابعنا الإجراءات، وطمأنّا أبناءنا في الداخل والخارج برسالة واحدة:

دلتا باقية... ولن نسمح للحرب أن تطفئ نور العلم.

وهنا ظهر المعنى الحقيقي للمؤسسات.

فالمؤسسة العظيمة ليست التي تعمل في أوقات الراحة فقط، بل التي تعرف كيف تنهض من بين الركام، وكيف تحول المحنة إلى فرصة للصمود.

وفي مروي لم نجد مقرًا مؤقتًا فقط، بل وجدنا سندًا وشراكةً وموقفًا تاريخيًا. كانت المدينة جزءًا من قصة بقاء دلتا، وشاهدًا على أن الخير لا ينقطع، وأن الأوطان تُبنى بمواقف أهلها.

هذه شهادة لله ثم للتاريخ:

أن مروي كانت الحاضنة التي فتحت قلبها لدلتا في أصعب أيامها، وأن أهلها كانوا سندًا حقيقيًا عندما احتاجت المؤسسة إلى السند.

وأن دلتا العلوم والتكنولوجيا لم تهزمها الحرب؛ لأنها لم تكن قائمة على المباني وحدها، بل على رجال ونساء آمنوا برسالتها، وعلى طلابٍ تمسكت بحقهم في المستقبل، وعلى إرادةٍ رفضت الاستسلام.

من مروي بدأت صفحة جديدة…

صفحة عنوانها:

العلم لا ينكسر... والرسالة لا تموت ما دام وراءها من يؤمن بها.

الدكتور ربيع أحمد بابكر عسيلي

وكيل جامعة دلتا العلوم والتكنولوجيا

نواصل…