شهادتي لله (10) كتبوا وصاياهم... وودّعوا أبناءهم قبل السفر
شهادتي لله (10)
كتبوا وصاياهم... وودّعوا أبناءهم قبل السفر
قبل أن تتحرك السيارة، لم يكن أول ما فعله بعض الرجال هو حمل حقائبهم، بل حملوا أقلامهم. جلسوا يكتبون وصاياهم، ثم ودّعوا أبناءهم وأهليهم، وفي أعينهم يقينٌ بأن الأعمار بيد الله وحده. لم يكن أحد يعلم إن كان سيعود، لكن الجميع كان يعلم لماذا يذهب.
كانت تلك أول زيارة لجامعة دلتا للعلوم والتكنولوجيا بعد أن اشتعلت الحرب. لم يكن الطريق إليها طريقًا عاديًا، بل كان طريقًا تتناوب عليه أصوات الرصاص، وتفرض عليه الحرب قوانينها القاسية. ومع ذلك، كان هناك رجال آمنوا بأن رسالة العلم لا يجوز أن تتوقف، وأن المؤسسة التي أفنوا أعمارهم في بنائها تستحق أن يُخاطروا من أجلها.
تشرفت بقيادة الوفد بصفتي وكيل الجامعة، وكان معي الدكتور محمد عبد الله أبو العزيب، والدكتور حافظ إبراهيم عثمان، والأستاذ محمد سراج النور. لم يكن بيننا من ادّعى الشجاعة، ولم يكن أحدٌ منا غافلًا عن حجم الخطر. كنا ندرك تمامًا ما ينتظرنا، لكننا كنا ندرك أيضًا أن الواجب لا ينتظر حتى تهدأ الحروب.
كلما اقتربنا من الجامعة، كانت الحقيقة أكثر قسوة. الرصاص يسمع من كل اتجاه، والقناص يفرض حضوره. في لحظة نركض، وفي أخرى نلتصق بجدار نبحث خلفه عن سترٍ مؤقت، ثم نواصل السير. لم يكن الخوف غائبًا، لكنه لم يكن هو من يقود خطواتنا.
وعندما وصلنا إلى بوابة الجامعة، استقبلنا أفراد الحراسة بوجوهٍ امتزجت فيها الدهشة بالفرح. قال أحدهم: "الحمد لله على السلامة... اليوم الوضع مختلف، وإطلاق النار كثيف. عندها شعرنا بأن الله سلّمنا في رحلة لم تكن مضمونة النهاية.
وفي داخل الجامعة كان الدكتور إلياس الدومة ثابتًا في موقعه، يؤدي واجبه في صمت، وكأن وجوده رسالة تقول إن المؤسسات الحقيقية لا تتوقف ما دام فيها رجال يؤمنون بها أكثر مما يؤمنون براحتهم.
في ذلك اليوم، لم أرَ موظفين يؤدون عملًا، بل رأيت رجالًا يحملون رسالة. أدركت أن جامعة دلتا لم تكن تبني مباني فحسب، بل كانت تبني الإنسان. وعندما جاءت المحنة، ظهر البناء الحقيقي؛ بناء القيم، والانتماء، والإخلاص.
ولهذا أقولها شهادةً أسأل الله أن أُحاسب عليها:
موظف جامعة دلتا لا يتكرر
لم أقلها مجاملة، ولم أكتبها بدافع العاطفة، وإنما لأنها حقيقة رأيتها بعيني. رأيت رجالًا كتبوا وصاياهم قبل السفر، وخرجوا لا طلبًا للشهرة، ولا بحثًا عن بطولة، بل وفاءً لعهدٍ قطعوه على أنفسهم بأن تبقى الجامعة واقفة، وأن تبقى رسالة العلم حية مهما اشتدت العواصف.
قد تنتهي الحروب يومًا، وقد تُنسى تفاصيل كثيرة، لكن بعض المواقف لا يطويها الزمن. ستظل تلك الرحلة محفورة في الذاكرة، شاهدةً على رجالٍ كانت ثقتهم بالله أكبر من خوفهم، وكانت رسالتهم أعظم من كل الأخطار.
الدكتور ربيع أحمد بابكر عسيلي*
*وكيل جامعة دلتا العلوم والتكنولوجيا
نواصل…