شهادتي لله (12) كوكبةٌ من العلماء... حملوا الرسالة حين اشتدت المحنة

شهادتي لله (12)

كوكبةٌ من العلماء... حملوا الرسالة حين اشتدت المحنة

منذ أن تخطو أولى خطواتك إلى جامعة دلتا العلوم والتكنولوجيا، ينتابك شعور يصعب وصفه. لا تشعر أنك وافد على مؤسسة، بل أنك دخلت بيتًا يعرف أهله معنى المودة والاحترام. تختفي الحواجز، وتذوب الرسميات، ويحل محلها شعورٌ صادق بأن الجميع شركاء في رسالة واحدة، عنوانها: العلم.

ولعل أعظم ما تميزت به جامعة دلتا أنها أحسنت اختيار الإنسان قبل الوظيفة. فاستقطبت نخبةً من الدكاترة والمحاضرين الذين جمعوا بين العلم الواسع، والخلق الرفيع، والإخلاص في أداء رسالتهم. كانوا قاماتٍ علمية، لكنهم قبل ذلك كانوا أصحاب ضميرٍ حي، يدركون أن التعليم ليس مهنةً تُؤدَّى، بل أمانةٌ تُحمَل.

كانوا يدخلون قاعات الدرس بعقول العلماء، ويقفون أمام طلابهم بقلوب المربين، يزرعون المعرفة، ويغرسون الثقة، ويصنعون الأمل في نفوس الشباب.

ثم جاءت الحرب…

وأصاب ما أصاب البلاد، وتوقفت مؤسسات كثيرة، وتعطلت مصالح لا تُحصى. وكان السؤال الذي يفرض نفسه: هل ستتوقف الدراسة أيضًا؟

لكن الإجابة جاءت من هؤلاء الأساتذة، لا بالكلمات، بل بالأفعال.

واصلوا التدريس عن بُعد، والتقوا بطلابهم عبر منصات التعليم الإلكتروني، وفي مقدمتها Google Meet حافظوا على المحاضرات، وتابعوا الطلاب، وأجابوا عن أسئلتهم، وبذلوا من وقتهم وجهدهم ما جعل المسيرة التعليمية تستمر، رغم كل ما كان يحيط بهم من ظروف قاسية.

والأجمل من ذلك كله أنهم لم يجعلوا الحقوق المادية شرطًا لأداء الواجب. كان همُّهم الأول ألا يضيع فصل دراسي، وألا تُكسر أحلام الطلاب بسبب حرب لم يختاروها.

في تلك الأيام، لم يكونوا يدرّسون مقررات جامعية فحسب، بل كانوا يقدّمون درسًا عظيمًا في معنى المسؤولية، والإخلاص، والوفاء للرسالة.

لهذا أكتب اليوم شهادةً أسأل الله أن أُسأل عنها بصدق

لقد رأيت في أساتذة جامعة دلتا رجالًا ونساءً حملوا أمانة العلم كما ينبغي أن تُحمَل. لم ينحنوا للعقبات، ولم يسمحوا للحرب أن تنتصر على التعليم، بل جعلوا من المعرفة جسرًا يعبر عليه الطلاب إلى مستقبلهم.

إن هؤلاء لم يحرسوا القاعات الدراسية، وإنما حرسوا المستقبل نفسه.

ولذلك، فإن ما قدموه سيبقى صفحةً ناصعة في تاريخ جامعة دلتا، وشاهدًا على أن المؤسسات العظيمة تُعرف برجالها ونسائها، وأن رسالة العلم تبقى أقوى من الحرب، متى حملها أصحاب الضمائر الحية.

فجزى الله أساتذة جامعة دلتا للعلوم والتكنولوجيا خير الجزاء، وبارك في علمهم وعطائهم، وجعل ما قدموه في موازين حسناتهم.

الدكتور ربيع أحمد بابكر عسيلي

وكيل جامعة دلتا العلوم والتكنولوجيا

نواصل…