لماذا كتاب «شهاداتي»2؟
لماذا كتاب «شهاداتي»2؟
الدوافع، والمنهج، وحدود الشهادة، ولماذا أوثّق لهذه الأسماء؟
لم يأتِ هذا الكتاب من رغبة في كتابة أسماءٍ ومدح أصحابها، ولا من باب المجاملة أو ردّ الجميل بطريقة عابرة، وإنما جاء من شعورٍ عميق بأن هناك جزءًا من تاريخ جامعة دلتا العلوم يستحق أن يُكتب، وأن وراء ما وصلت إليه الجامعة من مراحل وإنجازات رجالًا ونساءً بذلوا من أجلها أموالهم وأوقاتهم وعلمهم وخبراتهم وجهدهم، وكان من حقهم أن تُذكر أسماؤهم، وأن تُحفظ مواقفهم، وأن يعرف الجيل القادم شيئًا من عطائهم.
لقد أدركت، من خلال ما عايشته في مسيرة الجامعة، أن المؤسسات لا تُبنى بالقرارات وحدها، ولا بالمباني وحدها، ولا باللوائح والأنظمة وحدها، وإنما تُبنى قبل ذلك وبعده بالإنسان الذي يؤمن برسالتها، ويمنحها من وقته وعلمه وماله وجهده وعمره.
ومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب.
أولًا: دوافع الكتاب
الدافع الأول هو الوفاء.
فالوفاء لأصحاب الفضل ليس ترفًا، ولا مجاملة، وإنما قيمة أخلاقية تفرض علينا ألا ننسى من وقفوا مع الجامعة، ولا أن نمر على عطائهم وكأنه أمر عابر.
والدافع الثاني هو التوثيق.
فما لم يُكتب قد يُنسى، وما لم يُوثق قد تضيع تفاصيله بمرور السنوات. وكثير من المواقف التي عايشناها قد لا يعرفها من يأتي بعدنا، ولذلك رأيت أن من واجبي أن أحفظ شيئًا منها في كتاب يبقى شاهدًا على مرحلة من مراحل الجامعة.
والدافع الثالث هو إنصاف أصحاب العطاء.
فهناك أناس عملوا في صمت، وبذلوا في صمت، وتحملوا المسؤولية دون انتظار لشهرة أو تصفيق. وربما لم يعرف كثيرون حجم ما قدموه. ومن حق هؤلاء أن يُقال لهم: لقد رأينا بعض ما قدمتم، ولم ننسه.
والدافع الرابع هو تعريف الأجيال القادمة بصُنّاع جزء من تاريخ الجامعة.
فالأجيال الجديدة ستعرف المباني، والبرامج، والكليات، والمراحل، والإنجازات، ولكن من المهم أيضًا أن تعرف الأشخاص الذين كانوا جزءًا من صناعة تلك المراحل.
والدافع الخامس هو ترسيخ ثقافة الاعتراف بالفضل.
فالجامعة التي تعرف كيف تكرّم أصحاب العطاء، وتوثق جهودهم، وتذكر من وقفوا معها، هي جامعة تحافظ على ذاكرتها الأخلاقية، وتربي أجيالها على الوفاء لا على النسيان.
ثانيًا: منهج الكتاب
هذا الكتاب لا يدّعي أنه سجل شامل لكل تاريخ جامعة دلتا العلوم، ولا يدّعي أنه أحاط بكل من أسهموا في مسيرتها.
إنه، قبل كل شيء، شهادات شخصية.
أكتب هنا عما رأيت، وما عايشت، وما عرفت من مواقف، وما لمست من عطاء.
ولهذا فإن الشهادة في هذا الكتاب ليست حكمًا مطلقًا على الأشخاص، وليست تزكيةً شاملةً لحياتهم أو أعمالهم، وإنما هي شهادة في موقف أو عطاء أو أثر رأيته أو عايشت بعض تفاصيله.
فأنا لا أقول: إن هؤلاء بلا أخطاء، ولا أقول: إنهم أفضل من سواهم، وإنما أقول ببساطة:
لقد رأيت منهم ما يستحق أن يُذكر، ولذلك شهدت به.
وقد يكون ما عرفته عن شخصٍ ما جزءًا من قصته وليس كل قصته، وقد تكون معرفتي بموقفه محدودة بما أتيح لي أن أراه وأعايشه. ولذلك حرصت أن تكون شهادتي مرتبطة بما أعرفه، لا بما لا أعرفه.
كما أن اختلاف الشهادات في حجمها أو تفاصيلها لا يعني اختلافًا في قيمة أصحابها؛ فبعض المواقف كانت أكثر حضورًا في تجربتي من غيرها، وبعض الأشخاص عرفتهم عن قرب، وبعضهم عرفت عطاءهم من خلال مواقف محددة.
ثالثًا: حدود الشهادة
ولأن الأمانة تقتضي الوضوح، فإن لهذه الشهادات حدودًا ينبغي أن يعرفها القارئ.
أول هذه الحدود أنني لا أدّعي الإحاطة بكل شيء.
فذاكرة الإنسان محدودة، والسنوات كثيرة، والأسماء أكثر، والمواقف لا يمكن أن تختزنها ذاكرة واحدة.
وثانيها أن ما أكتبه هو شهادة من زاوية تجربتي الشخصية؛ فقد يرى شخص آخر جانبًا لم أره، أو يعرف موقفًا لم أعرفه، أو يملك رواية مختلفة عن موقف معين.
وثالثها أن ذكر شخص في الكتاب لا يعني أنني أزعم له الكمال، كما أن عدم ذكر شخص لا يعني التقليل من قدره أو إنكار عطائه.
فربما غاب اسمٌ عن الذاكرة، أو غاب موقفٌ عن التوثيق، أو لم تتوفر لي المعرفة الكافية التي تسمح لي بالكتابة عنه.
ولهذا فإن عدم ورود الاسم ليس حكمًا عليه، كما أن ورود الاسم ليس تزكيةً مطلقة له.
إنما هي شهادات في حدود ما عرفت ورأيت وعشت.
رابعًا: لماذا أوثّق لهذه الأسماء؟
لأنني أؤمن أن وراء كل اسمٍ قصة.
ووراء كل قصة موقفًا.
ووراء كل موقف تضحيةً أو عطاءً.
ووراء كل عطاء أثرًا قد يبقى حتى بعد أن يمضي صاحبه.
أوثق لهذه الأسماء لأن بعضها أعطى من ماله، وبعضها أعطى من علمه، وبعضها أعطى من وقته، وبعضها أعطى من خبرته وعلاقاته ومكانته، وبعضها تحمل المسؤولية في أوقات لم تكن فيها الطريق سهلة.
وأوثق لها لأنني لا أريد أن يأتي جيلٌ بعد سنوات فيرى ما وصلت إليه الجامعة، ثم يتساءل:
من الذين حملوا هذا العبء؟
ومن الذين بذلوا من أجلها؟
ومن الذين وقفوا معها عندما كانت في حاجة إلى من يقف معها؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات، والتاريخ لا يجيب عنها إذا لم نوثقها.
ولذلك فإن توثيق هذه الأسماء ليس احتفاءً بالأشخاص فقط، وإنما هو حفظ لجزء من ذاكرة الجامعة.
خامسًا: لماذا أكثر من خمسين اسمًا؟
لأنني لم أرد أن أختزل تاريخ العطاء في شخص واحد، أو في مجموعة محدودة من الأسماء.
فالجامعة منظومة، والإنجاز منظومة، والعطاء كذلك.
من أعطى المال له فضله، ومن أعطى العلم له فضله، ومن أعطى الوقت له فضله، ومن قدم المشورة له فضله، ومن تحمل المسؤولية له فضله، ومن بذل علاقاته ومكانته من أجل الجامعة له فضله.
قد تختلف صور العطاء، ولكن يجمعها شيء واحد:
أن صاحبها أعطى مما يملك.
ولهذا جاءت هذه الشهادات متعددة الأسماء والمواقف، حتى تعكس شيئًا من التنوع الذي صنع مسيرة الجامعة.
سادسًا: ليست هذه شهادات مجاملة
أردت منذ البداية أن يكون واضحًا أن هذا الكتاب ليس كتاب مجاملات.
فالمجاملة تنتهي بانتهاء المناسبة، أما الشهادة فتبقى.
والمجاملة قد تُقال لمن لا يستحق، أما الشهادة فتحتاج إلى أمانة.
ولهذا أرجو أن تكون شهاداتي شهادة حق لا شهادة مجاملة، وشهادة وفاء لا شهادة مصلحة.
وإذا أثنيت على إنسان، فليس ذلك لأن بيني وبينه نسبًا أو مصلحة أو تجارة، وإنما لأنني رأيت منه موقفًا أو عطاءً شعرت أن من الوفاء ألا أسكت عنه.
سابعًا: ماذا أريد لهذا الكتاب؟
لا أريد لهذا الكتاب أن يكون مجرد صفحات تُقرأ ثم تُنسى.
أريده أن يكون وثيقة ذاكرة.
وثيقة تقول للأجيال القادمة إن جامعة دلتا العلوم لم تكن مجرد مبانٍ وقاعات وبرامج وقرارات، وإنما كانت أيضًا قصة بشر آمنوا بها، وحملوا همّها، وبذلوا من أجلها.
وأريده أن يقول لكل من أعطى:
لقد رأينا عطاءك، ونعترف بفضلك، ولن نسمح أن يذهب أثرك كله مع مرور الزمن.
وأريده كذلك أن يكون دعوةً للأجيال القادمة إلى مواصلة العطاء؛ لأن من يعرف تاريخ من سبقوه، ويعرف مقدار ما بذلوه، يدرك أن المؤسسات العظيمة لا تُورث جاهزة، وإنما تُبنى جيلًا بعد جيل.
وأخيرًا…
هذه الشهادات ليست ادعاءً بامتلاك الحقيقة كلها، وإنما هي جزء من الحقيقة كما عشتها ورأيتها.
وإذا كان في هذه الشهادات نقص، فذلك من حدود الذاكرة.
وإذا كان فيها سهو، فذلك من طبيعة الإنسان.
وإذا غاب اسم أو موقف، فليس ذلك انتقاصًا من صاحبه.
لكن ما أرجوه أن تكون هذه الصفحات بدايةً لتوثيق أوسع، وأن تدفع من يأتي بعدنا إلى كتابة ما لم نكتبه، وتوثيق ما لم نستطع توثيقه، وحفظ أسماء كل من أسهم في مسيرة جامعة دلتا العلوم.
فالتاريخ لا ينبغي أن يكتب عن النتائج وحدها، بل يجب أن يكتب عن الذين صنعوا تلك النتائج.
والجامعة لا ينبغي أن تتذكر مبانيها ومراحلها فقط، بل يجب أن تتذكر رجالها ونساءها، وكل من أعطاها شيئًا من عمره وماله وعلمه ووقته وجهده.
ومن هنا جاءت «شهاداتي».
شهادات في أناس…
وشهادات في مواقف…
وشهادات في عطاء…
وشهادات وفاء لأناسٍ كان لهم نصيب من حكاية دلتا العلوم وتاريخها.
الدكتور ربيع أحمد بابكر عسيلي
وكيل جامعة دلتا العلوم والتكنولوجياوالتكنولوجيا